جم بهمسة وغيّروني.. كانوا ليه.. ليه بيفكروني؟

جم بهمسة وغيّروني.. كانوا ليه.. ليه بيفكروني؟

عندما قال الزيرُ سالم خلال إحدى سهراته الحميمية أو رحلة صيد “لا أذكر”: “يجب أن يكون في حياتنا شيءٌ من الجنون وإلا فقدت الحياة طعمها”، كان يفكّر في كيفية الانقضاض على إحدى اللبوات وجلب حليبها إلى زوجة أخيه “الجليلة بنت مرّة” من أجل تثبيت حملها وتغذيتها وجنينها “الجرو”، هذا لا يهم، المهم أنه لتلك المقولة معانٍ كثيرة لا تُعدُّ ولا تُحصى، أيُّ بلاغةٍ وفصاحة وشاعرية هذه يا أبا ليلى؟!

ترجمتُ تلك المقولة في قواميسي فتبيّن لي أن لها شرحٌ واحدٌ فقط.. التمرُّد.
جاهلٌ وغبيٌ من يظنُّ أن التمرّد يعني التمرّد بالمعنى الفوضوي والهمجي والتتاري للكلمة.
في أغنية “بعيد عنك” وفي المقدمة الموسيقية لكوبليه “لا نوم ولا دمع فـعنيّا ما خلّاش الفراق بيّا”، تُغرّد فرقة الكمان بقيادة “أحمد الحفناوي” أحلى ما لحّن “بليغ حمدي” فيردُّ على الحفناوي وأزلامه، عازف الناي “سيد سالم” بمفرده بلحنٍ أحلى، يشتد التنافس والتناحر والأخذ والرد بين جبروت الكمان ورقّة الناي ولكي يقهرهم كلهم بمفرده، ارتجل سيد سالم لحناً غير الذي كُتب على الورق، ينبهر الجمهور ويصفّق بحرارة، وتلتفت الست إليه قائلةً: ايه دة؟ الله!
نفسه سيد سالم الذي ترك آلته الخشبية ولقّن الست كلمات كوبليه “يا أغلى من أيامي” من “انت عمري” عندما أكلت الصبابة قلبها وأذهبت ذاكرتها وجعلتها تنسى الكلمات ليقول لها: “خدني بحنانك خدني عن الوجود وابعدني”، عادها مرتين.
أيضاً صفّق الجمهور بحرارة.
من يجرؤ بالتمرد على لحن بليغ حمدي؟ وصرامة الست بالتنفيذ الحرفي له؟ من يجرؤ على ترك آلته ليلقّنها الكلمات التي نسيتها؟ نعم، سيد سالم!
في عام 1966، لحّن محمد عبد الوهاب الأغنية التي كتبها عبد الوهاب محمد لأم كلثوم وهي: فكّروني، يُلقّب محمد عبد الوهاب بداهية الموسيقى العربية، اختار لتلك الأغنية في بدايتها مقام “نهاوند” وختمها بمقام “كورد” على نفس درجة ركوز المقام الرئيسي “النهاوند”، وانتهاء اللحن به “الكورد” خلافا للمعهود بأن ينتهي بنفس المقام الذي بدأ به ، قد أثار جدلاً كبيراً وقتها بين الموسيقيين والملحنين إلى درجة أن بعضهم اتهمه بمخالفة القواعد الموسيقية.
استمرت حفلة “فكّروني” أكثر من أربع ساعات، حقاً لقد أتعبت الملحنين من بعدك يا صاحب “كل دة كان ليه”.

شأنُ تلك الأغنية شأن “فات الميعاد”  التي لحنها “بليغ حمدي” في شتاء 1967 حيثُ تنسج المقاطع الأربعة فيها جواً تعبيرياً مليئاً بالشجن والعاطفة، ورغم ارتكاز الأداء على آلات غربية كالجيتار والساكسفون إلا أن اللحن أضفى الطابع الشرقي على أداء هذه الآلات التي لا يكاد يشعر السامع أنها آلات غريبة عن الموسيقى العربية، خاصة آلة الساكسفون التي فاجأت الجمهور بالظهور في أغنية لفنانة محافظة كأم كلثوم. بهذا المقطع الساكسفوني جاء بليغ حمدي بروح جديدة إلى الموسيقى العربية حسب الدكتور أسامة العفيفي الباحث والمحلل الموسيقي.  
استطاع بليغ ومحمد وحدهما، أن ينقلوا جمهور أم كلثوم من الطرب الثقيل أقصد “الفترة السنباطية والقصبجية والشيخ زكريا أحمد” إلى أقل درجةٍ منه، ما يجعل بإمكان كل جمهورها بمختلف مستوياتهم أن يحفظوا أغانيها من المرة الأولى ويرددونها عن ظهر قلب، بيدَ أن هذا لا يعني انتقاص من رياض السنباطي والقصبجي والشيخ زكريا، هؤلاء أساطير اللحن العربي.

هذا الجنون الذي قصده الزير، وهذا التمرّد الذي أعنيه، موسيقياً (على أقل تقدير).

ليسَ التمرُّد الحميد أن تأتي مُعدّة أو مُعد برامج في إحدى القنوات الحكومية ببرنامج لا يمتُّ بصلة عن الرسالة الإعلامية التي درسوها خلال أربع سنوات، وأشكُّ في هذا!
هذا غباءٌ قد أعيَ من يداويه.

ليس التمرُّد الحميد أن يأتي مُحلّل وباحث في تلك القنوات بتحليلٍ يشبهُ كل شيء كل شيء إلا التحليل “يحسب نفسه أنه قد يخرج من الكليشات التحليلية” باستخدامه لتحليلٍ أحمق.

في رمضان، يكثرُ النُقّاد وأنصاف النُقّاد وأرباعهم، ينتقدون الأعمال الدرامية، بكل ما أوتوا من غباء، يستخدمون ألفاظ غريبة كي يتميزوا عمّن سواهم “هكذا يظنّون” حتى لم يعد بإمكاننا التمييز بين الناقد الحقيقي والمنطقي والناقد المتملّق المُطبّل والمُزمّر لبعض الجهات الإنتاجية.

ليسَ التمرّد أن يخرج عضو في مجلس الشعب بتصريحات نارية يكسبُ ودَّ “السوشيال ميديا” بها وبعدها ينام ويختفي، ونفس الأمر عند بعض الوزراء.

 

هناك فرق بين أن تتمرد وتُحمد على فعلك وبين نهيقُك وأنت تحسبُ نفسك خارجَ قطيعك وأنت بالفعل تسكن قاع قاعه.

تلك آياتٌ كُتبت لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد.

سورية 24| محمد ساس

 

 

 

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *