“شي مُطمئن شي مُخيف”

“شي مُطمئن شي مُخيف”

قبلَ ثلاث سنوات، عندما كنتُ في الصفِّ الثالث الثانوي، وفي ليلةٍ صيفيةٍ، أجلسُ على أرضية منزلي الدمشقي الرطبة، علّها تقيني من لهب حرارة الجو العالية في ظلِّ انقطاع الكهرباء، باقي يومين على تقديم امتحان مادة “الجغرافية” اللعينة، التي أنهكت روحي وعقلي وكانت عصيةً على الحفظِ، بينما أقلّب صفحات الكتاب، وقفتُ عندَ درسِ التضخّم الاقتصادي وآثاره، هذا الدرس لم أفهمه ولم يدخل إلى تلافيف دماغي، ربّما لأن استاذ المادة كان من نوع “أنا باخد راتب آخر الشهر اللي فهم فهم واللي ما فهم انشالله عمره ما يفهم”.

ذهبتُ إلى عدة أساتذة فوجدتهم هم أنفسهم لا يعرفون ولا يفهمون معنى التضخم الاقتصادي.
يا الله، ماذا أفعل؟ إنه درسٌ مهم ومتوقع، ولا أقدر على الحفظ بدون فهم!

إلى أن ذهبتُ إلى جدّي، في زيارةٍ عائلية غير دراسية، فسألني عن استعدادي للفحص غداً، فسردتُ له وجعي الجغرافي، فقال لي هاتِ لي الكتاب واجلب تلك الطاولة واجلس.
دعوتُ الله في سريرتي أن لا يكون جدي مثل البقية الذين درّسوني.
فقال: ما رح اقرألك الدرس لأنك بتعرف تقرأ، بس رح قلك بشكل سريع شو التضخم.
حسناً يا جدي.
ارتفعت الأسعار بشكل جنوني وباستمرار، الأسعار كلها مو بس سلعة واحدة و مو رايحة إلا على محدودي الدخل .. بالتضخم يا جدي الرواتب لا ترتفع أبداً بنفس سرعة أرتفاع الأسعار لأن الرواتب بدها حلم الله وتشريعات و قوانين لترتفع وهالشي عنا ما بيصير في يوم وليلة.. فلو زاد مستوى الأسعار على سبيل المثال بنسبة 40% فإن الرواتب بعد فترة ربما تزيد و لكن بنسبة 10% أو ربما 5% أو ربما 0% هنّي وضميرن.
بالتضخم، الغني بيزداد غنى والفقير بيلتعن نفسه.
لماذا يا جدي؟
ارتفاع الاسعار رح يراكم الثروة عند التجار، شو ما بيملكوا رح يزيد ثمنه وخاصة العقارات.
أما الفقير يا جدي ما عنده غير هالراتب عم يستناه من راس شهر لراس شهر أو يومياً، ومابيملك أي شي، وارتفاع الأسعار رح ينزله كتير للدرك الأسفل من الفقر.
وأكتر شي بيدل انو في تضخم هو طبع أوراق نقدية من فئات عالية، مرة بتركيا انطبعت مليون ليرة شقفة وحدة ولا تروح لبعيد ليكها لبنان شو ما بدك فيه 10000 و50000 وغيرها بشقفة وحدة.
يعني هلأ انت بقديش عم تشتري سندويشة الشاورما؟
الصغيرة ب200 او 250 والكبيرة ب500.
بكرا لا سمح الله إذا صار عنا تضخم رح تشتريها بضعف ضعفها ورح تشوف فئات جديدة من الليرة ح تنطبع.
طيب جدي ألا يوجد أي إيجابية للتضخم؟
نعم أكيد، إيجابية وحدة وهي بدل ما تحمل خمسين ألف ليرة بجيبتك لتجيب شوية مونة بتحمل 25 ألف ليرة بس من فئة ال2000 إذا انطبعت، يعني مشان ما تتعب ومشان ما تفتح عيون الحرامية عليك.
حسناً شكراً يا جدي أنا ذاهبٌ الآن.
بالتوفيق
الآن فهمتُ معنى التضخّم، الأنكى أنه لم يأتِ أي سؤال عنه في الامتحان، يا لتعاستي!
تذكّرت تلك القصة قبل الأمس عندما أعلن دريد درغام حاكم المصرف المركزي عن طرح فئة الألفين ليرة في الأسواق.
تذكّرتها عندما أبدى ثقته من عدم وجود مضاعفات وآثار تضخمية أو سلبية لطرح فئة 2000 ليرة الجديدة ، إذ اعتبر أنه لا يوجد تخوفات من حدوث تضخم لأنه تمت دراسة توقيت طرحها جيداً، وأن هذه الفئة هي من إصدار العام 2015 وبقيت رهينة الإدراج ريثما توفرت الظروف المناسبة ومنها الحاجة لسحب واستبدال الفئات التالفة وتوفير بديل يليق بالاقتصاد والتعاملات النقدية.
تذكّرتها عندما قرأتُ تعليق الصحافي علاء الحلبي الذي أشار إلى أن المريض الذي يأخذ جرعات الكورتيزون في البداية يتوهم أنه قد شُفي لكنه لا يعلم أنَّ عظامه ستُنخر في الأيام المقبلة.
تذكّرتها عندما حصلتُ على فئة الألفين الجديدة وذهبتُ إلى بائع الشاورما وطلبتُ أربع “سندويشات صغار” قلت له: ما سعرهم؟
أجاب: ألفا ليرة.
حسناً خُذ!
هكذا وبكلِّ بساطة..

سورية 24| محمد ساس

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *