عراقٌ عراق.. ليس سوى العراق!

عراقٌ عراق.. ليس سوى العراق!

يحلُّ الظلام، في تكريت، إنه الثاني عشر من حزيران عام 2014، تجلسُ “سارة” بين يديّ والدتها لكي تسرّح شعرها، بعد أن استحمّت، تقول لوالدتها: لقد طال غيابُ أبي، إنني مشتاقةٌ له ولأخي محمد أيضاً.

أبو “سارة” شهيدٌ من شهداء العراق الذين ضحّوا بحياتهم في وجه الاحتلال الامريكي البريطاني وقضى نحبه في سجن “أبو غريب” وأخوها “محمد” ما يزال طالبٌ في الكلية الجوية بتكريت “سبايكر” والأمُّ تخترع الأكاذيب لإبنتها لكي لا تنهار وتضطرب نفسيتها الطفولية.”رح يجي أبوكي بالعيد.. وأخوكي بدنا ندعيله”
فجأة، يضطرب التيار الكهربائي في المدينة، وينقطع، ويُسمع أصوات ضخمة كالتي تشبه الإنفجارات، ماذا حصل يا أماه. تقول سارة.
إهدأي بُنية وهيا إلى النوم فالوقتُ قد تأخر، تذهب الطفلة وتنام.
تخرجُ الأمُّ إلى جارتِها كي تتحسّس ما خطب المدينة؟
تقول لها جارتها: يا ويلتنا يا ويلتنا يا أم محمد، الأعلام السوداء قد وصلت إلى تكريت.
من الأعلام السوداء؟
إنها الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، وقد أخبرني زوجي أنهم حالياً في أكاديمية سبايكر.
يُغمى على أم محمد، وتُسعف برشِّ المياه على وجنتيها، تُفتح عينيها وتقول: أين ولدي أين حبيبي أين محمد هاتِ لي الهاتف كي أتصل به؟
تتصلُّ به، ويرد!
ألو حبيبي ابني انت بخير؟ طمّني؟
يا أمي ادع لي فقط احتاج الى دعائك أحبّك جداً وأحبُّ سارة.. سنلتقي حتماً ويُفصل الخط.
تنهار أمُّ محمد، أمّا سارة فقد كانت مستيقظة طول الوقت وعرفت ماذا حصل في تكريت؟ وأنَّ أخيها محاصر وأبيها استشهد في المعتقل بعدما قرأت مذكرات أمها ولم تتلفظ بأي كلمة..الصمت الصمت.
ينادي المنادي في الحي أن اهربوا قبل قدومِ الوحوش، اهربوا إلى الشرقاط أو بيجي.
تأخذُ الأمُ ابنتها بملابسها فقط وتترك منزلها الذي عاشت فيه أحلى ذكرياتها مع زوجها وتربية ابنها وابنتها، ويهربنَ مع سكان تكريت نحو قضاء بيجي.
في الطريق إلى “بيجي” كانت واحدةٌ من النساء تحمل راديو هرّبته معها لكي تستمع إلى الأخبار، ككلِّ العراقيين الذين امتهنوا منذُ أكثر من عشر سنوات مهنة الاستماع إلى الأخبار، فالعراق قوت وسائل الإعلام اليومي.
ترفعُ حاملة المذياع صوته إلى أعلى مستواه، فتسمعُ كلُّ النساء الخبر التالي: تنظيم داعش يرتكب مجزرة مروعة بحقِّ ألف وسبعمئة طالب في أكاديمية سبايكر وصلنا بعض الأسماء منهم ولأجل الحظ كان اسم محمد بينهم.
انهارت أمُّ محمد ولطمت وجهها وشاخت وهي في الخامسة والثلاثين من عمرها، النساء يواسونها، وسارة تبكي أخيها.

مرّت الأيام وكانت أمُّ محمد جالسةً في إحدى المخيّمات إلى جانب ابنتها فقالت لها: هل سنعود يوماً إلى منزلنا؟
نعم سنعود يا أمي، بيت أبي لا يهدم ولا يسرق وغرفة أخي لا تُدنّس، وألعابي لا تحملنها فتياتٌ أخرى.
انصعقت الأمُّ من بلاغة هذه الطفلة وقالت لها: يااارب.
وفي بداية نيسان من عام 2015 جاء من أقصى المدينة رجلٌ يُنادي: تكريت محرّرة تكريت محرّرة.
أُطلقت الأهازيج وزغردت النساء وقالت سارة لأمها: ألم أقل لك؟
عادت الأم والطفلة إلى منزلها فشاهدته شبه مُدمّر إلا أجزاءً من غرفة محمد وغرفة الأريكة وألعاب سارة لم تُصب بشيء فقالت سارة: الله سمع دعائي يا أمي طوال تلك الفترة.
كبرت سارة وقررت أن تكتب كلَّ قصتها تلك من الليلة الظلماء مروراً برحلة النزوح وصولاً إلى تحرير تكريت ورُبّما ستضيف عليها إعلان  حيدر العبادي رئيس الحكومة العراقية منذُ أيام سقوط دولة الخرافة في العراق (داعش) بعد تحرير جامع النوري والمنارة الحدباء في الموصل وتضييق الخناق على إرهابيي داعش.
وسستكتبُ أيضاً أنه قد أخطئ وزير خارجية امريكا السابق جون كيري عندما قال “نحتاج إلى ربع قرن لدحر الدواعش” .

 

سورية 24| محمد ساس

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *