جامعات سوريا تعاني من تسرب الطلاب والأساتذة والانفصال عن سوق العمل

جامعات سوريا تعاني من تسرب الطلاب والأساتذة والانفصال عن سوق العمل

مسحت مرام بيديها على زي العمل الذي يغلب عليه اللون الأبيض لتتأكد من أناقة مظهرها ، وهي تستعد لبدء يوم جديد في مطعم وسط دمشق , كان ينبغي في تلك الساعة أن تكون مرتدية مريولها الأبيض ، وهي تدخل مخبر كلية الصيدلة التي اضطرت لترك الدراسة فيها.

تقول مرام التي توفي والدها في الرقة شمال سوريا: “لم تمنعني الأوضاع الأمنية ولا تساقط القذائف على أبواب الجامعة من مواصلة الدراسة… وإنما فقط منعني الوضع المادي”.
نزحت الشابة العشرينية مع والدتها وأخويها الصغيرين إلى دمشق بحثاً عن ملاذ آمن , تركت الدراسة والتحقت بمطعم لإعالة الأسرة الصغيرة , انضمت مرام إلى طلاب تعثرت دراستهم الجامعية تحت ضغط الوضع الاقتصادي في ظروف الحرب التي تعيشها سوريا منذ سبع سنوات.
توقفت جامعات عن التعليم بسبب الحرب، ما أدى إلى تزاحم الطلاب في العدد المتبقي من الجامعات. والتحق طلاب بأعمال تساعدهم في تدبير تكاليف الدراسة، وطلاب بكليات نظرية، في حين انصرف آخرون عن الدراسة تماماً.
وارتفعت نسبة الغياب إلى ما يقرب من 90 في المئة في بعض الكليات وفق ما أفاد طلاب، وانخفض مستوى التعليم بعد ضعف المناهج ورحيل أعداد متزايدة من الأساتذة. وانعكس الوضع على مستوى خريجي الجامعات لتنخفض نسبة الخريجين المؤهلين لفرص العمل المتاحة إلى ما بين 1.5 و2 في المئة وفق ما أفاد مديرو توظيف في شركات.
وأصبحت الجامعات السورية خارج قوائم التصنيف في المقاييس العالمية.
ارتفعت أعداد الطلاب المقيمين في المدينة الجامعية في دمشق من 15 ألفاً عام 2011 إلى 22 ألفاً في 2017، حسب إحصاءات إدارة المدينة التي أصبحت الخيار المفضل للطلاب وسط الصعوبات الاقتصادية نتيجة الأزمة.
قال أحد الطلاب: “لولا السكن الجامعي لاضطررنا للتسول في الطرق”.
يتراوح متوسط تكلفة دراسة الطالب النظامي في الجامعات الحكومية حالياً بين 25 و50 ألف ليرة سورية (50 – 100 دولار) شاملة رسم التسجيل والتنقل وشراء الكتب وملخصات المواد والقرطاسية، إلى جانب تكاليف السكن.
وأخذاً في الاعتبار متوسط دخل العائلة السورية، والذي لا يتجاوز مئة دولار حالياً وفق إحصاءات صادرة عن المرصد العمالي السوري للدراسات والبحوث منتصف العام الفائت، يهجر طلاب قاعات الدراسة الجامعية للبحث عن عمل إلى جانب الدراسة يساعد في تغطية المصاريف.
يقول رائف لباد الطالب في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق ، أن عمله في متجر لبيع المواد الغذائية بعد الدوام الجامعي كان من أسباب تدهور نتائج امتحاناته , “كنت أتمنى تحصيل مرتبة عليا في الكلية، لكن مع العمل المسائي لا وقت لدي للدراسة”.
ويعمل طلاب آخرون في بيع الخضار والفواكه على بسطات في الطرق أو نقل مواد البناء أو يقومون بأعمال تنظيف أو حراسة مستودعات ومصانع في ضواحي المدن.
العمل المرافق الدراسة لم يكن مألوفاً قبل سنوات الحرب في سوريا، بخاصة في الكليات العملية التي تتطلب حضوراً، بحسب مازن المعيد في كلية الصيدلة الذي طلب عدم نشر اسم عائلته.
وأشار مازن إلى تزايد نسبة الطلاب العاملين عاماً بعد آخر، وتراجع مستوى تحصيلهم العلمي. وقال: “طلاب كثر يتغيبون عن الدروس الصباحية بسبب العمل الليلي، أحاول قدر الإمكان مساعدتهم لتعويض ما يفوتهم، لكن الحاجة المادية هي سيدة الموقف”.
يقول عبد الكريم موّاس الطالب في السنة الرابعة في كلية الفلسفة بجامعة دمشق: “بشق الأنفس يمكن عشرين طالباً أن يداوموا على حضور الدروس النظرية، في حين نتفاجأ في الامتحانات بوجود ما يقارب مئتي طالب”، أي إن نسبة الغياب تبلغ 90% حسب تقديرات مواس.
ويفضل طلاب الالتحاق بالكليات النظرية التي لا تطلب الالتزام بنسب دوام معينة، ما يعني خفض نفقات التنقل، ويختار آخرون الالتحاق بمعاهد متوسطة مدة الدراسة فيها سنتان فقط لا أربع سنوات ولا ست في الكليات.
لم يكن أي من هذه الخيارات مجدياً في حالة مرام التي نزحت مع عائلتها من مدينة الرقة شمال سوريا إلى دمشق منذ ثلاث سنوات.
وفاة والد مرام (23 سنة) في الرقة، واضطرارها للبحث عن عمل لإعالة والدتها وأخويها الصغيرين كان عاملين حاسمين في تركها دراستها الجامعية في كلية الصيدلة بشكل نهائي.
وقالت: “لم أتمكن من مواكبة متطلبات الجامعة، بخاصة في هذا الفرع الذي يحتاج إلى مستلزمات كثيرة، وأنا الآن أعمل في أحد المطاعم وسط دمشق بدوام صباحي”.

هجرة العقول
بالتوازي مع الصعوبات الاقتصادية للطلاب، تواجه الجامعات ذاتها مشكلات في مجالات عدة مع تراجع الإنفاق الحكومي على التعليم، حيث انخفضت موازنة هذا القطاع من 733 ألف دولار عام 2010 إلى ما لا يتجاوز 175 ألف دولار عام 2017.
وهجر أساتذة أيضاً الجامعات السورية وخسر التعليم العالي حوالى 20% من أعضاء هيئات التدريس بسبب الهجرة إلى خارج البلاد بشكل أساسي. وقد ترتفع النسبة إلى 30% في بعض الكليات بحسب تصريحات لوزير التعليم عاطف النداف التي أرجعت هذه الظاهرة إلى “أسباب اقتصادية واجتماعية ونفسية مرتبطة بالظروف الراهنة”، ومن أهم هذه الأسباب الأجور التي يحصل عليها أساتذة الجامعات الحكومية، والتي لا تتجاوز 150 دولاراً شهرياً.
يقول د. محيي الدين س. من كلية الهندسة المدنية، والذي غادر البلاد منذ أكثر من عامين إلى الولايات المتحدة: “خطير ما سيؤول إليه مصير التعليم العالي في سوريا في حال استمرار نزيف الكوادر بهذا الشكل”.
المصدر: موقع “رصيف 22”

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *